أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
344
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
وَهُوَ شَهِيدٌ « 1 » أي يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على حدّ من قيل فيهم أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ « 2 » . وقوله تعالى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ « 3 » أي شاهدين . يقال : شاهد وشهيد . إلا أنّ صيغة فعيل أبلغ ، والشهيد الشرعي بالنسبة إلى عدم غسله والصلاة عليه هو من قتل في حرب الكفار بسبب القتال . والشهيد في الأجر كالمبطون والغريق كما جاء في الحديث « 4 » . إنما سمّوا كلّهم شهداء لأنّ أرواحهم شهدت دار السّلام ، أي أحضرتها . وأمّا أرواح غيرهم فلا تحضرها إلى يوم البعث . قال الهرويّ : وعلى ذلك يؤوّل قوله تعالى : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ « 5 » . وقال أبو بكر : لأنّ اللّه وملائكته شهود لهم بالخير . وقيل : سمّوا شهداء لأنهم ممن يستشهد يوم القيامة مع الأنبياء على الأمم . وقيل : سموا بذلك لحضور الملائكة إياهم ، إشارة إلى ما قال تعالى تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا « 6 » . وقيل : لأنّهم يشهدون في تلك الحالة ما أعدّ اللّه لهم من النّعيم . قلت : وقد حكى لي شيخ صالح من دمياط أيام رحلتي إليها - وقد زرت قبور الشهداء / 186 هناك في مكان يقال له شطا « 7 » - فقال - وقد أراني قبرا / حسنا عليه بناء عظيم « 8 » : هذا قبر شطا . قلت : وما شطا ؟ قال : ابن ملك من ملوك الفرنج « 9 » ، جاء مع أبيه وجيشه ليأخذوا ثغرنا . فلما التحم القتال قتل ناس من المسلمين ، فدخل شطا في المعركة فوجد رجلا من المسلمين يتشحّط في دمه فوقف عليه فكشف له لإرادة الله إياه بالخير . فرأى حورية من
--> ( 1 ) 37 / ق : 50 . ( 2 ) 44 / فصلت : 41 . ( 3 ) 282 / البقرة : 2 . ( 4 ) والحديث : « المبطون شهيد والغرق شهيد » ويروى « الغريق » ( النهاية : 2 / 513 ) . ( 5 ) 169 / آل عمران : 3 . ( 6 ) 30 / فصلت : 41 . ( 7 ) شطا : بالفتح والقصر ، بليدة بمصر على ثلاثة أميال من دمياط على ضفة البحر الملح ( معجم البلدان - شطا ) . ( 8 ) ساقطة من ح ، وفي س : عظيما . ( 9 ) وفي س : الإفرنج .